أبو علي سينا
309
رسائل ( ط بيدار )
يستحب ويكره حتى لا يفوته حق التضرع والاشتياق والفزع إلى العقل الفعال والفلك الدوّار ليفيض عليه من جوده وينجيه من عذاب وجوده ويخلصه من أماني بدنه وبوصله إلى منتهى أمله فإنه لو انقطع عنه قليل خير من فيضه لسارع إلى كثير شرّ ولصار أدنى من البهائم والسباع * وأما من غلبت قواه الروحانية وسلط على هواه قوته الناطقة وتجردت نفسه عن أشغال الدنيا وعلائق العالم الأدنى فهذا الأمر الحقيقي والتعبد الروحاني والصلاة المحضة التي قررناها واجبة عليه أشد وجوب وأقوى الزام لأنه استعد بطهارة نفسه لفيض ربه فلو أقبل بعشقه واجتهد في تعبده لسارعت اليه الخيرات العلوية والسعادات الأخروية حتى إذا انفصل عن الجسم وفارق الدنيا يشاهد ربه ويجاور حضرته ويلتذ بمجاورة جنسه وهم سكان الملكوت واجرام عوالم الجبروت ( وهذه الصلاة ) قد وجبت على سيدنا ومفيد ديننا محمد المصطفى صلى اللّه عليه وسلم ففي ليلة تجرد عن بدنه وتنزه عن أمله فلم يبق معه من آثار الحيوانية شهوة ولا من لوازمه الطبيعية قوة فناجى ربه بنفسه وعقله فقال له يا رب لقد وجدت لذة غريبة في ليلتي هذه فاعطني سبيلا إلى استدامتها ويسر لي طريقا يوصلنى كل وقت إليها فأمره اللّه تعالى بالصلاة وقال يا محمد ( المصلى يناجى ربه ) ولأصحاب الظاهر من ذلك حظ ناقص وللمحققين حظ وافر ونصيب كامل ومن كان حظه أكمل فثوابه أجزل ( فهذا ما أردت إيجاز القول فيه بهذه العجالة ) بعد ما طال احجامى عن